محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وهلاك بختنصر ، ورجوع من بقي من بني إسرائيل في أيدي أصحاب بختنصر بعد هلاكه إلى الشام ، وعمارة بيت المقدس ، وأمر عزير وكيف رد الله عليه التوراة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، قال : ثم عمدت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون الأحداث ، يعني بعد مهلك عزير ، ويعود الله عليهم ، ويبعث فيهم الرسل ، ففريقا يكذبون ، وفريقا يقتلون ، حتى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ، وكانوا من بيت آل داود . حدثنا ابن ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد ابن إسحاق ، عن عمر بن عبد الله بن عروة ، عن عبد الله بن الزبير أنه قال ، وهو يحدث عن قتل يحيى بن زكريا قال : ما قتل يحيى بن زكريا إلا بسبب امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل ؛ كان فيهم ملك ، وكان يحيى بن زكريا تحت يدي ذلك الملك ، فهمت ابنة ذلك الملك بأبيها ، فقالت : لو أني تزوجت بأبي فاجتمع لي سلطانه دون النساء ، فقالت له : يا أبت تزوجني ودعته إلى نفسها ، فقال لها : يا بنيه إن يحيى بن زكريا لا يحل لنا هذا ، فقالت : من لي بيحيى بن زكريا ؟ ضيق علي ، وحال بيني وبين أن أتزوج بأبي ، فأغلب على ملكه ودنياه دون النساء قال : فأمرت اللعابين ومحلت بذلك لأجل قتل يحيى بن زكريا ، فقالت : ادخلوا عليه فالعبوا ، حتى إذا فرغتم فإنه سيحكمكم ، فقولوا : دم يحيى بن زكريا ، ولا تقبلوا غيره . وكان اسم الملك رواد ، واسم ابنته البغي ، وكان الملك فيهم إذا حدث فكذب ، أو وعد فأخلف ، خلع فاستبدل به غير ؛ فلما ألعبوه وكثر عجبه منهم ، قال : سلوني أعطكم ، فقالوا له : نسألك دم يحيى بن زكريا أعطنا إياه قال : ويحكم سلوني غير هذا فقالوا : لا نسألك شيئا غيره ؛ فخاف على ملكه إن هو أخلفهم أن يستحل بذلك خلعه ، فبعث إلى يحيى بن زكريا وهو جالس في محرابه يصلي ، فذبحوه في طست ثم حزوا رأسه ، فاحتمله رجل في يده والدم يحمل في الطست معه . قال : فطلع برأسه يحمله حتى وقف به على الملك ، ورأسه يقول في يدي الذي يحمله لا يحل لك ذلك فقال رجل من بني إسرائيل : أيها الملك لو أنك وهبت لي هذا الدم ؟ فقال : وما تصنع به ؟ قال : أطهر منه الأرض ، فإنه كان قد ضيقها علينا ، فقال : أعطوه هذا الدم ، فأخذه فجعله في قلة ، ثم عمد به إلى بيت في المذبح ، فوضع القلة فيه ، ثم أغلق عليه ، ففار في القلة حتى خرج منها من تحت الباب من البيت الذي هو فيه ؛ فلما رأى الرجل ذلك ، فظع به ، فأخرجه فجعله في فلاة من الأرض ، فجعل يفور ؛ وعظمت فيهم الأحداث . ومنهم من يقول : أقر مكانه في القربان ولم يحول . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكريا وبعض الناس يقول : وقتلوا زكريا ، ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس ، فسار إليه بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام ، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤوس جنده يدعى نبورزاذان صاحب القتل ، فقال له : إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أظهرنا على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري ، إلا أن لا أجد أحدا أقتله ؛ فأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم نبور زادان ، فدخل بيت المقدس ، فقال في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم ، فوجد فيها دما يغلي ، فسألهم فقال : يا بني إسرائيل ، ما شأن هذا الدم الذي يغلي ، أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره ؟ فقالوا : هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يتقبل منا ، فلذلك هو مغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمان مئة سنة القربان فتقبل منا إلا هذا القربان قال : ما صدقتموني الخبر قالوا له : لو كان كأول زماننا لقبل منا ، ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي ، فلذلك لم يتقبل منا فذبح منهم نبور زادان على ذلك الدم سبع مئة وسبعين روحا من رؤوسهم ، فلم يهدأ ، فأمر بسبع مئة غلام من غلمانهم فذبحوا